الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
155
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إلا أن يغره به غار ، فيحتمل أن يكون الغرور موجودا ويحتمل أن لا يكون غرورا . والغرور : الإطماع بما يتوهمه المغرور نفعا وهو ضرّ ، وفعله قد يسند إلى اسم ذات المطمع حقيقة مثل : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لقمان : 33 ] أو مجازا نحو : وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الجاثية : 35 ] فإن الحياة زمان الغرور ، وقد يسند إلى اسم معنى من المعاني حقيقة نحو : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [ آل عمران : 196 ] . وقول امرئ القيس : أغرّك مني أن حبك قاتلي أو مجازا نحو قوله تعالى : زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] . ويتعدى فعله إلى مفعول واحد ، وقد يذكر مع مفعوله اسم ما يتعلق الغرور بشئونه فيعدى إليه بالباء ، ومعنى الباء فيه الملابسة كما في قوله : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لقمان : 33 ] ، أي لا يغرنكم غرورا متلبسا بشأن اللّه ، أي مصاحبا لشؤون اللّه مصاحبة مجازية وليست هي باء السببية كما يقال : غره ببذل المال ، أو غرّه بالقول . وإذ كانت الملابسة لا تتصوّر ماهيتها مع الذوات فقد تعين في باء الملابسة إذا دخلت على اسم ذات أن يكون معها تقدير شأن من شؤون الذات يفهم من المقام ، فالمعنى هنا : ما غرك بالإشراك بربك كما يدل عليه قوله : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ الآية فإن منكر البعث يومئذ لا يكون إلّا مشركا . وإيثار تعريف اللّه بوصف « ربك » دون ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من الملك والإنشاء والرفق ، ففيه تذكير للإنسان بموجبات استحقاق الرب طاعة مربوبه فهو تعريض بالتوبيخ . وكذلك إجراء وصف الكريم دون غيره من صفات اللّه للتذكير بنعمته على الناس ولطفه بهم فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة . والوصف الثالث الذي تضمنته الصلة : فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ جامع لكثير مما يؤذن به الوصفان الأولان فإن الخلق والتسوية والتعديل وتحسين الصورة من الرفق بالمخلوق ، وهي نعم عليه وجميع ذلك تعريض بالتوبيخ على كفران نعمته بعبادة غيره . وذكر عن صالح بن مسمار قال : بلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلا هذه الآية فقال : « غره جهله » ، ولم يذكر سندا .